الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
189
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحثّ على الجهاد ، وهؤلاء فريق يودّون أن يؤذن لهم بالقتال فلمّا كتب عليهم القتال في إبّانه جبنوا . وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله : قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ ، لأنّ كفّ اليد مراد ، منه ترك القتال ، كما قال : وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ [ الفتح : 24 ] . والجملة معترضة بين جملة وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 75 ] والجمل التي بعدها وبين جملة فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ النساء : 74 ] الآية اقتضت اعتراضها مناسبة العبرة بحال هذا الفريق وتقلّبها ، فالذين قيل لهم ذلك هم جميع المسلمين ، وسبب القول لهم هو سؤال فريق منهم ، ومحلّ التعجيب إنّما هو حال ذلك الفريق من المسلمين . ومعنى كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ أنّه كتب عليكم في عموم المسلمين القادرين . وقد دلّت ( إذا ) الفجائية على أنّ هذا الفريق لم يكن تترقّب منهم هذه الحالة ، لأنّهم كانوا يظهرون من الحريصين على القتال . قال جمهور المفسّرين : إنّ هاته الآية نزلت في طائفة من المسلمين كانوا لقوا بمكة من المشركين أذى شديدا ، فقالوا للنبي صلى اللّه عليه وسلم : « يا رسول اللّه كنّا في عزّ ونحن مشركون فلمّا آمنّا صرنا أذلّة » واستأذنوه في قتال المشركين ، فقال لهم : « أنّي أمرت بالعفو كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فلمّا هاجر النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى المدينة ، وفرض الجهاد جبن فريق من جملة الذين استأذنوه في القتال ، ففيهم نزلت الآية . والمرويّ عن ابن عباس أنّ من هؤلاء عبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقّاص ، والمقداد بن الأسود ، وقدامة بن مظعون ، وأصحابهم ، وعلى هذا فقوله : كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً مسوق مساق التوبيخ لهم حيث رغبوا تأخير العمل بأمر اللّه بالجهاد لخوفهم من بأس المشركين ، فالتشبيه جار على طريقة المبالغة لأنّ حمل هذا الكلام على ظاهر الإخبار لا يلائم حالهم من فضيلة الإيمان والهجرة . وقال السديّ : « الذين قيل لهم كفّوا أيديكم » قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يفرض عليهم القتال فلمّا فرض القتال إذا فريق يخشون الناس . واختلف المفسّرون في المعنيّ بالفريق من قوله تعالى : إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ فقيل : هم فريق من الذين استأذنوا في مكة في أن يقاتلوا المشركين ، وهذا قول ابن عباس ، وقتادة ، والكلبي ، وهو ظاهر الآية ، ولعلّ الذي حوّل عزمهم أنّهم صاروا في أمن وسلامة من الإذلال والأذى ، فزال عنهم الاضطرار للدفاع عن أنفسهم . وحكى القرطبي : أنّه قيل : إنّ هذا الفريق هم المنافقون . وعلى هذا الوجه يتعيّن تأويل نظم الآية بأن المسلمين الذين